إن هذا العقد من الزمان يعتبر وبلا منازع عقد التغيرات السريعة والمتلاحقة في مجال صناعة الإعلام بشكل لم يسبق له مثيل، لدرجة أن البعض أصبح يسمي هذا العصر الذي نعيش فيه عصر المعلومات أو عصر ثورة المعلومات، ولقد فتحت تكنولوجيا الإعلام الجديد بابا واسعا لحرية الإعلام لا يمكن إغلاقه ووسيلة سهلة لإيصال المعلومات ونشرها إلى جميع أطراف العالم ولجميع الفئات العمرية،
وهذا ما طرح إشكالا قديما جديدا في ميدان علوم الإعلام والاتصال وهو:
إشكالية التعرض لوسائل الاتصال الجماهيري، ماذا نقرأ؟ ماذا نشاهد؟ وماذا نسمع؟، كلمات وصور ومشاهد وأحاديث تلج عقولنا يوميا وتخاطب حواسنا وتساهم في تشكل آرائنا المختلفة.
التعرض (exposure) هو استقبال الجمهور للرسالة الاتصالية من خلال الوسيلة الجماهيرية ويرتبط فعل التعرض بمعايير وخصائص منها ما يتعلق بشكل ومضمون الرسالة، ومنها ما يتعلق بالوسيلة وطبيعتها كأداة مادية ناقلة للمعلومات، ويشكل التعرض الهدف الأساس في عملية الاتصال، ويعد نقطة البدء لعمليات التفاعل والتأثير بين الجمهور كأفراد، ورسائل القائمين بالاتصال.
اتجهت الدراسة الإعلامية الأولية إلى القول بأن المتلقي للرسالة الإعلامية لا حول له ولا قوة، وبأنه يتأثر مباشرة بكل ما يتلقاه دون حواجز ذاتية واجتماعية، فقد ساد الاعتقاد في تلك الفترة بأن الرسالة الإعلامية صالحة لكل الأفراد ولكل الأوساط الاجتماعية، إلا أن الدراسات الحديثة تفضل النظر إلى المتلقي من حيث كونه متلقياً نشطاً يمتلك القدرة على الاختيار والتمييز والنقد واتخاذ القرار بالتعرض بناءً على اتجاهاته نحو الوسيلة أولا، ومقدار الجزاء المعرفي لهذا التعرض ثانياً، وكذلك اتجاهه نحو القائم بالاتصال، ثم اتجاهه نحو المحتوى الذي تقدمه هذه الوسيلة ، وما يكتسبه الفرد من التعرض إلى الوسيلة أو محتواها.
إذن فأهمية هذه الدراسات الحديثة تكمن في أنها قد قلبت التساؤل التقليدي: ماذا تفعل وسائل الإعلام بالجمهور؟ ليصبح: ماذا يفعل الجمهور بوسائل الإعلام؟
صار من الصعب جدا اليوم إيجاد ملاذ إعلامي آمن ملتزم فأغلب المؤسسات الإعلامية تحولت إلى المادية التي تهدف لتحقيق القدر الأكبر من الأرباح ومن نسبة المشاهدة بغض النظر عن ثراء المضمون والجودة والقيم الإنسانية والأخلاق، وهو توجه خطير للاستحواذ على الآخر عبر الرسائل وعبر ثورة المعلومات التي توظف لأغراض التحكم والسيطرة وامتلاك العقول وخلب الألباب.
لكل وسيلة إعلامية غاياتها الإيديولوجية وتوجهاتها السياسية، الدينية الثقافية، ومن الطبيعي أن تروج وتبث هذه المؤسسات ما يخدم توجهاتها وما يحقق لها المنفعة المادية والفكرية، لكن من غير الطبيعي أن نستسلم نحن لكل ما نتلقاه وأن نعتقد اعتقادا جازما بأنه الحقيقة والصواب، لم يعد اليوم هناك مجال للتقوقع والانغلاق، بل إن وجودنا الإنساني يفرض علينا أن نمتلك قدرات وإمكانات نكون بها قادرين على الانتقاء والاختيار على الاطلاع والمتابعة والاقتراب والدراسة والفهم لكل ما تنتجه العملية الإعلامية التي يتم بثها، فالتحصين الذاتي يمكننا من الفهم الصحيح لطبيعة الرسالة الإعلامية ومن الاطلاع على بنية محتواها والأغراض المرسلة من أجلها ليكون لنا في الأخير القدرة على التقبل أو الرفض أو الرد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق