مصطلح (الإعلام الجديد) هو مصطلح حديث العهد، مثير للجدل، لم يجد تعريفا واحدا بين منظّري العلوم الإنسانية، نظرا لتداخل الآراء والاتجاهات في دراسته. عكَس هذا المصطلح، في بداياته، التطور التقني الكبير الذي طرأ على استخدام تكنولوجيا الصوت والصورة في الإعلام، ولاحقا، بعد ثورة الإنترنت، أُطلق على كل ما يمكن استخدامه من قبل الأفراد والجماعات على هذه الشبكة العنكبوتية العملاقة .
كريس أتون، الأكاديمي في دراسة الإعلام بجامعة "نابير" يسميه بـ (الإعلام البديل)، أي البديل عن الإعلام الرئيس، الرسمي أو الحكومي. ويجادل "أتون" إن هذا الإعلام لا ينفصل عن الحياة الاجتماعية، وعن السياسة ولا حتى عن الأيديولوجيا. وهو إعلام فردي (ينطلق من أسفل إلى أعلى)، يمثل نبض الناس ، ويعبر عنهم وعن همومهم.
ساهم هذا الإعلام في خلق ما يسمى بـ "مجال عام" جديد أو "فضاء جديد"، عماده الجمهور، الشارع، وهو مختلف عن ذلك الفضاء الذي أرادته وسائل الإعلام الرسمية التي تدار، في معظم الأحيان، من قبل أجهزة أمنية، تفكر بعقلية أمنية، وتُخضع الكلمة والصورة إلى الرقابة الأمنية. ما لم تدركه الأنظمة (المخلوعة منها والتي تنتظر) أن منهج التعاطي الأمني مع الإعلام قد أكل عليه الزمن وشرب، وأن التفكير بعقليات القمع والحجب والتعتيم أصبح جزءاً من تاريخ أسود لن يعود.
إن أقوى ما في وسائل الإعلام الجديد ، أنها خارج سيطرة السلطات، فكل أسلوب لحجب المواقع كان يجابه بأسلوب تقني عصري يلتف على هذا المنع، وحتى أسلوب "الكي" أي قطع الإنترنت بالمطلق، تم التغلب عليه عن طريق وسائل اتصال متطورة.
إن نشوء هذا الفضاء الجديد من الحرية ساهم في التحول النوعي الذي طرأ على استخدام الشبكات الاجتماعية على الإنترنت، من كونها أداة للترفيه، والتواصل الاجتماعي، إلى أداة للتنظير والتنظيم والقيادة، ثم إلى وسيلة فعّالة لنقل الحدث، ومتابعة الميدان، ومصدراً أولياً لوسائل الإعلام العالمية.
هذا التحول ما كان له أن يحصل لولا السياسة الغبية التي انتهجتها الأنظمة من خلال القمع والكبت واحتكار وسائل الإعلام، ما دفع هذه الشريحة العريضة إلى البحث عن البديل الذي يمكنها من رفع صوتها.
قصة تونس والإنترنت هي مثال حي؛ تونس كانت أول دولة عربية يدخلها الإنترنت(1991)، في عام 2009 أصبح 2.8 مليون مستخدم من سكان تونس( ما يفوق ربع السكان)، وهي نسبة مبهرة. وتونس – بن علي بالطبع – كانت أول دولة عربية فرضت رقابة على الإنترنت، وقد تربعت على مركز الصدارة العربية في حجب المواقع ، مواقع النشطاء السياسيين، وكل ما لا يحلو لنظام بن علي أن يراه شعبه.
المفارقة الطريفة أنه وقبيل الثورة بأيام قليلة، نشرت مؤسسة بحثية مقربة من نظام الحكم السابق بحثا مفاده أن الشباب التونسي يعزف في استخدامه للإنترنت، وعن السياسة، وأن اهتماماته هي غير ذلك. فما الذي فعله هؤلاء الشباب و"إنترنتهم" بزين العابدين بن علي ؟
هذا النوع من الإعلام ذو أهمية بالغة، تنبهت له مؤسسات بحثية كبيرة. ففي أكتوبر الماضي عُقد مؤتمر " الإعلام الجديد .. السياسة البديلة" في جامعة كامبريدج، والمدهش أن واحدة من الأوراق المقدمة، كانت تبحث في استخدام حركة 6 أبريل لموقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، مستخدمة إحصائيات وأرقام، ومقابلات شخصية، وتوصلت إلى نتيجة أن هذا الحراك المتواضع (في حينه) قد آتى أُكُله في إضراب ومظاهرات المحلة الكبرى، وأن هذا النشاط غير التقليدي مرشح لأن يأتي بمزيد من النتائج، في ظل عدم اكتراث أجهزة أمن الدولة (لحسن الحظ) لأهمية تلك الأداة.
ورقة أخرى في ذلك المؤتمر، تناولت استخدام (إسرائيل) للإعلام الجديد في التبرير والترويج لحربها على غزة، ولتبرير حادث الاعتداء على أسطول الحرية، وكيف جنَّدت وزارتا الخارجية والدفاع متطوعين لأجل خدمة قضية لاأخلاقية بحجم الحرب على غزة! ما كان لهم أن يقوموا بذلك لولا أنهم مدركون لأهمية هذا النوع من الإعلام.
جمهور الإعلام الجديد هو جمهور ضخم يقدر بمئات الملايين، ولا سيما في الغرب، وبدرجة أقل في عالمنا العربي. ففي الإحصائية الرسمية يوجد 900 مليون صفحة على الفيسبوك ما بين مجموعات وأفراد وأنشطة. 200 مليون يدخلون على الفيس بوك من خلال الهاتف المحمول، وهذه صرعة أخرى! الإنترنت على الهواتف الذكية، مثل الآي فون، الآي باد، البلاك بيري وغيرها من أجهزة حديثة، يسهل على الناس المهمة، ويوفر عناء الجلوس أمام الكمبيوتر.
لذلك فإن رسالة واحدة، قليلة الكلمات، على موقع تويتر أو فيسبوك، قد تكون من الفعالية، والتأثير، والانتشار أفضل من عشر صحف مطبوعة مجتمعة! نسبة كبيرة من هذا الجمهور العريض تعتمد على مواقع التواصل الاجتماعي كمصدر للمعلومة، خصوصاً أن كل مواقع الأخبار تقريباً مرتبطة بمواقع التواصل هذه.
صحيح أن الإعلام وحده لا يصنع التغيير. وأن التغيير هو نتاج إرادة عامة، يحركها دافع الناس الطبيعي نحو هذا التغيير، والإعلام إنما هو أداة من مجموعة أدوات. ميشيل فوكو قال إن الثورة الإيرانية انتشرت بشريط الكاسيت، ولم يقل إن شريط الكاسيت (الذي كان في حينه إعلاما بديلا) هو الذي صنع الثورة! لذلك إن هذه الإرادة بدون وسائل الإعلام الجديد قد لا تساوي شيئاً، والعكس صحيح! فما جرى هو نتاج عوامل تكاملت، تفاعلت مع بعضها لتنتج لنا تغييرا بأسلوب لم يعهده عالمنا العربي من قبل. وهذا على أي حال يبشر بفجر عصر جديد ومستقبل أفضل لشعوبنا الطيبة.
هذا المنتَج الإنساني الحضاري الرائع، ذو الحركة النشطة، السريعة والفعالة، أثّر في حياة آلاف الملايين من البشر، وغيّر أنماط حياتهم، مضفياً عليها مزيداً من التفاعل، والتواصل، والاهتمام بالآخرين. فهل من سبيل إلى فهم أعمق لهذا المنتج العصري ؟ وهل من جهد منظم، لتوظيفه من أجل قضيتنا العادلة كما يفعل أعداؤنا من أجل قضاياهم غير العادلة؟!
ساهم هذا الإعلام في خلق ما يسمى بـ "مجال عام" جديد أو "فضاء جديد"، عماده الجمهور، الشارع، وهو مختلف عن ذلك الفضاء الذي أرادته وسائل الإعلام الرسمية التي تدار، في معظم الأحيان، من قبل أجهزة أمنية، تفكر بعقلية أمنية، وتُخضع الكلمة والصورة إلى الرقابة الأمنية. ما لم تدركه الأنظمة (المخلوعة منها والتي تنتظر) أن منهج التعاطي الأمني مع الإعلام قد أكل عليه الزمن وشرب، وأن التفكير بعقليات القمع والحجب والتعتيم أصبح جزءاً من تاريخ أسود لن يعود.
إن أقوى ما في وسائل الإعلام الجديد ، أنها خارج سيطرة السلطات، فكل أسلوب لحجب المواقع كان يجابه بأسلوب تقني عصري يلتف على هذا المنع، وحتى أسلوب "الكي" أي قطع الإنترنت بالمطلق، تم التغلب عليه عن طريق وسائل اتصال متطورة.
إن نشوء هذا الفضاء الجديد من الحرية ساهم في التحول النوعي الذي طرأ على استخدام الشبكات الاجتماعية على الإنترنت، من كونها أداة للترفيه، والتواصل الاجتماعي، إلى أداة للتنظير والتنظيم والقيادة، ثم إلى وسيلة فعّالة لنقل الحدث، ومتابعة الميدان، ومصدراً أولياً لوسائل الإعلام العالمية.
هذا التحول ما كان له أن يحصل لولا السياسة الغبية التي انتهجتها الأنظمة من خلال القمع والكبت واحتكار وسائل الإعلام، ما دفع هذه الشريحة العريضة إلى البحث عن البديل الذي يمكنها من رفع صوتها.
قصة تونس والإنترنت هي مثال حي؛ تونس كانت أول دولة عربية يدخلها الإنترنت(1991)، في عام 2009 أصبح 2.8 مليون مستخدم من سكان تونس( ما يفوق ربع السكان)، وهي نسبة مبهرة. وتونس – بن علي بالطبع – كانت أول دولة عربية فرضت رقابة على الإنترنت، وقد تربعت على مركز الصدارة العربية في حجب المواقع ، مواقع النشطاء السياسيين، وكل ما لا يحلو لنظام بن علي أن يراه شعبه.
المفارقة الطريفة أنه وقبيل الثورة بأيام قليلة، نشرت مؤسسة بحثية مقربة من نظام الحكم السابق بحثا مفاده أن الشباب التونسي يعزف في استخدامه للإنترنت، وعن السياسة، وأن اهتماماته هي غير ذلك. فما الذي فعله هؤلاء الشباب و"إنترنتهم" بزين العابدين بن علي ؟
هذا النوع من الإعلام ذو أهمية بالغة، تنبهت له مؤسسات بحثية كبيرة. ففي أكتوبر الماضي عُقد مؤتمر " الإعلام الجديد .. السياسة البديلة" في جامعة كامبريدج، والمدهش أن واحدة من الأوراق المقدمة، كانت تبحث في استخدام حركة 6 أبريل لموقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، مستخدمة إحصائيات وأرقام، ومقابلات شخصية، وتوصلت إلى نتيجة أن هذا الحراك المتواضع (في حينه) قد آتى أُكُله في إضراب ومظاهرات المحلة الكبرى، وأن هذا النشاط غير التقليدي مرشح لأن يأتي بمزيد من النتائج، في ظل عدم اكتراث أجهزة أمن الدولة (لحسن الحظ) لأهمية تلك الأداة.
ورقة أخرى في ذلك المؤتمر، تناولت استخدام (إسرائيل) للإعلام الجديد في التبرير والترويج لحربها على غزة، ولتبرير حادث الاعتداء على أسطول الحرية، وكيف جنَّدت وزارتا الخارجية والدفاع متطوعين لأجل خدمة قضية لاأخلاقية بحجم الحرب على غزة! ما كان لهم أن يقوموا بذلك لولا أنهم مدركون لأهمية هذا النوع من الإعلام.
جمهور الإعلام الجديد هو جمهور ضخم يقدر بمئات الملايين، ولا سيما في الغرب، وبدرجة أقل في عالمنا العربي. ففي الإحصائية الرسمية يوجد 900 مليون صفحة على الفيسبوك ما بين مجموعات وأفراد وأنشطة. 200 مليون يدخلون على الفيس بوك من خلال الهاتف المحمول، وهذه صرعة أخرى! الإنترنت على الهواتف الذكية، مثل الآي فون، الآي باد، البلاك بيري وغيرها من أجهزة حديثة، يسهل على الناس المهمة، ويوفر عناء الجلوس أمام الكمبيوتر.
لذلك فإن رسالة واحدة، قليلة الكلمات، على موقع تويتر أو فيسبوك، قد تكون من الفعالية، والتأثير، والانتشار أفضل من عشر صحف مطبوعة مجتمعة! نسبة كبيرة من هذا الجمهور العريض تعتمد على مواقع التواصل الاجتماعي كمصدر للمعلومة، خصوصاً أن كل مواقع الأخبار تقريباً مرتبطة بمواقع التواصل هذه.
صحيح أن الإعلام وحده لا يصنع التغيير. وأن التغيير هو نتاج إرادة عامة، يحركها دافع الناس الطبيعي نحو هذا التغيير، والإعلام إنما هو أداة من مجموعة أدوات. ميشيل فوكو قال إن الثورة الإيرانية انتشرت بشريط الكاسيت، ولم يقل إن شريط الكاسيت (الذي كان في حينه إعلاما بديلا) هو الذي صنع الثورة! لذلك إن هذه الإرادة بدون وسائل الإعلام الجديد قد لا تساوي شيئاً، والعكس صحيح! فما جرى هو نتاج عوامل تكاملت، تفاعلت مع بعضها لتنتج لنا تغييرا بأسلوب لم يعهده عالمنا العربي من قبل. وهذا على أي حال يبشر بفجر عصر جديد ومستقبل أفضل لشعوبنا الطيبة.
هذا المنتَج الإنساني الحضاري الرائع، ذو الحركة النشطة، السريعة والفعالة، أثّر في حياة آلاف الملايين من البشر، وغيّر أنماط حياتهم، مضفياً عليها مزيداً من التفاعل، والتواصل، والاهتمام بالآخرين. فهل من سبيل إلى فهم أعمق لهذا المنتج العصري ؟ وهل من جهد منظم، لتوظيفه من أجل قضيتنا العادلة كما يفعل أعداؤنا من أجل قضاياهم غير العادلة؟!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق